مدونة أحمد

في مشهد عبقري وقصير من مسلسل Rick and Morty، يخترع ريك روبوتا صغيرا على مائدة الطعام. يسأل الروبوت بفضول: "ما هو هدفي؟"، فيجيبه ريك ببرود: "أنت تمرر الزبدة". ينظر الروبوت إلى يديه بصدمة وانكسار ويتمتم: "يا إلهي!"، فيرد ريك: "أجل.. أهلا بك في النادي يا صديقي".

كلما تذكرت هذا المشهد، تسلل إلي قلق غريب. أنظر إلى يدي وأتساءل: هل أنا أيضا أمرر الزبدة؟ منذ عشرين عاما، وفي سن مبكرة، اخترت لنفسي مسارا مهنيا لم أخرج منه يوما. اقتطع هذا المسار الجزء الأكبر من عمري، وحاصرني في دور واحد - وإن تنوعت تفاصيله من الداخل - إلا أنه ظل صندوقا واحدا لم يتغير. والأدهى أن من حدد هذا المصير هو مراهق في الماضي، صادر حق نسختي اليوم في الاختيار. ربما ناسبني هذا الدور قديما، لكنه حتما لم يعد كذلك.

لكن دعوني أعترف بشيء منذ البداية، قبل أن أستغرق في الاستعارة: أنا لست روبوت الزبدة، وهذا بالضبط ما يجعل حالتي أسوأ. مأساة الروبوت أنه صنع لغرض واحد لا يملك فكاكا منه؛ يده مبرمجة على الزبدة إلى الأبد، فيأسه بريء. أما أنا فأملك - نظريا على الأقل - أن أضع الزبدة وأنهض عن الطاولة. الباب ليس موصدا؛ أنا من يجلس أمامه منذ سنوات دون أن يمد يده إلى المقبض. مأساتي إذن ليست مأساة الآلة المسجونة، بل مأساة الحر الذي يتصرف كسجين. وهذا اعتراف أثقل بكثير.

قطعا لست وحدي من يشعر بهذا. منذ طفولتنا يطرح علينا سؤال واحد: "ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟" - سؤال بريء في ظاهره، لكنه يغرس فينا فكرة "الهوية الأحادية": أن للإنسان دورا واحدا فقط يلعبه في الحياة. وهكذا يتشرب المراهق منا كذبة "الشغف الأوحد"؛ الوهم بأن لكل منا هدفا مقدسا واحدا عليه أن يكتشفه ويفني عمره في خدمته حتى النهاية.

كنت سأقول هنا - كما يقال عادة في مثل هذه المقالات - إن الحداثة استبدلت الإنسان القديم الشمولي، ذاك الذي كان فنانا ومزارعا وفيلسوفا في آن واحد، بترس متخصص في آلة اقتصادية ضخمة. لكن هذه الحكاية، على جاذبيتها، ليست دقيقة. الإنسان القديم في أغلبه كان فلاحا يرث محراث أبيه أو حرفيا يرث دكان جده، محبوسا في دور أضيق من أي وظيفة حديثة، ودون أن يسأل يوما عن رأيه. أما بعضهم ممن اشتهر فكانوا استثناء نخبويا نادرا لا قاعدة. الحقيقة الأكثر إزعاجا هي أن العصر الحديث نفسه - الذي أشكو من آلته - هو أول عصر في التاريخ يجعل تغيير المسار ممكنا أصلا لنا جميعا. مشكلتنا ليست أن الحداثة سلبتنا التعدد، بل أنها منحتنا حرية الاختيار ثم أقنعتنا، عبر ثقافة التخصص والسير الذاتية، بأن نستخدم هذه الحرية مرة واحدة فقط في العمر، ثم نغلق الباب خلفنا.

هنا يكمن السجن الحقيقي: نحن رهائن لماضينا المهني. لا نخشى المستقبل بقدر ما نستثقل التخلي عن استثمارنا القديم، فنفضل البقاء في قالب لا يناسبنا فقط لأننا قضينا وقتا طويلا في بنائه. يسميها البعض من حولنا حكمة، وأي محاولة منطقية لإعادة توجيه الحياة تقابل فورا باستهجان يختزل كل شيء في سؤال واحد محبط: "توا بعد السنين هذه كلها تبي تغير مسارك؟"

الأسوأ من أن تدفع عمرك ثمنا لمسار واحد، هو أن تكتشف أن هذا المسار لم يعد كما عرفته. في عالم البرمجة مثلا، حيث قضيت عقدين من الزمن، كنت أجد عزائي في تلك النشوة التي تعقب تفكيك المشاكل المعقدة وابتكار حلول لها؛ كان هذا هو "الجوهر" الذي يشعرني بقيمتي كإنسان يفكر. اليوم، ومع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي، أشعر أن هذا الجوهر قد سحق. الذكاء الاصطناعي لم يسلبني وظيفتي بعد، لكنه سلبها روحها، مختصرا العمليات الذهنية المعقدة في كتابة بعض الأوامر، ومحولا التحديات المثيرة إلى مهام مكررة.

أعلم بأن البعض يقول: إن ما اختصرته الأدوات هو الجزء الميكانيكي من الحل، أما ما تبقى فهو تحديد المشكلة الصحيحة، وتصميم الحل، والحكم على ما تنتجه الآلة. أي أن ما نجا هو بالضبط ما كنت أسميه جوهري. ربما يكون هذا صحيحا، ولا أملك يقينا بنفيه. لكن ثمة فرق بين أن يكون التفكير قلب العمل النابض، وأن يصبح طابع جودة يختم به إنتاج آلة. حتى لو بقي "الحكم البشري" مطلوبا، فإن نسبته في يوم العمل تتقلص، والنشوة التي كانت تأتي من رحلة الحل كاملة صارت تأتي - إن أتت - من لحظات متفرقة قصيرة. قد أكون مخطئا في تقدير مآلات هذا كله؛ لكن حتى لو كان تشخيصي للمهنة خاطئا، يبقى تشخيصي لنفسي صحيحا: أنا لم أعد أشعر بما كنت أشعر به، وهذا وحده سبب كاف لطرح السؤال.

قد ترغب في الرد على ما كتبت بالحجة المعتادة: كل عمل يصبح رتيبا بعد مدة، والنجار مثلا يشعر تجاه منشاره بما أشعر به أنا تجاه شيفرتي، فلماذا كل هذا الصياح؟ ربما. لكنني بدأت أشك في أن هذا "الشعور السائد" ليس وصفا للواقع بقدر ما هو مواساة جماعية. حين نفشل في بناء نمط حياة يناسبنا، نداوي فشلنا بإقناع أنفسنا أن لا أحد يستطيع = تماما كمن يحاربون فكرة التغيير ذاتها؛ أظن عداءهم لها نابعا من عجزهم عنها أو خوفهم منها، فيسقطون هذا الخوف على كل من حولهم ويفرضونه بوصفه حكمة. ولنعد إلى النجار ذاته: تخيل في الورشة المجاورة له شخصا آخر، جاء إلى المهنة في منتصف عمره قادما من مكتب، اختار الخشب اختيارا وبنى حول هذا الاختيار نمط حياته: يشتغل بإيقاعه، يطارد الدقة والكمال، ويغلق ورشته حين يكتفي. المنشار واحد والخشب واحد، لكن الأول أدخله إلى الورشة مراهق قديم - أو ربما طفل لم يكن له الخيار - فصارت قفصه، والثاني دخلها من باب اختاره بنفسه فصارت مملكته. النجار الأول ليس دليلا على أن كل عمل رتيب؛ هو ضحية أخرى لنفس مأساتي، يمرر نشارته كما أمرر زبدتي. الرتابة إذن ليست في العمل، بل في انعدام اختياره = والمهنة التي تسحق صاحبها قد تكون هي نفسها نجاة رجل آخر جاءها في منتصف الطريق.

وأثناء حديثي مع صديق عن هذه المقالة، قفز إلى ذهني مشهد آخر من المسلسل نفسه. يدخل مورتي لعبة "روي: حياة عيشت جيدا"، فيحيا عمرا كاملا بهوية أخرى: يكبر، يتزوج، يعمل بائع سجاد، يصاب بالسرطان ثم يهزمه. وماذا فعل بعد أن نجا من الموت؟ عاد إلى متجر السجاد = هذا المشهد يخيفني أكثر من روبوت الزبدة نفسه، لأنه يطرح السؤال الذي أتحاشاه: لو أتيحت لنا الفرصة من جديد، هل سنختار المسار ذاته؟ هل حقا نحمل سجننا بداخلنا فنعيد بناءه أينما حللنا؟

إذن، ما الخيار المتبقي؟ بصراحة، لا أعلم، ولا أملك إجابة - ولن أتظاهر بغير ذلك بنصائح معلبة وحلول سحرية. كل ما أملكه اليوم هو المضي كخفاش يرسل نداءاته في الظلام وينتظر أن يرتد إليه صدى يرسم له الاتجاه.

وكما لخص ريك سانشيز حقيقة الأمر عندما قال: "أن تعيش يعني أن تخاطر بكل شيء؛ وإلا، فأنت لست سوى كتلة خاملة من الجزيئات المجمعة عشوائيا، تنجرف بهدوء حيثما يدفعك الكون." الفارق الوحيد بيني وبين ذلك الروبوت أنه لم يكن يملك خيار المخاطرة .. أنا أملكه = وهذا وحده ما يجعل بقائي على الطاولة اختيارا، ونهوضي عنها ممكنا.